الأحد، 26 مارس 2017 07:28 ص
خالد صلاح

صالح المسعودى يكتب: ابن العمدة

الإثنين، 20 مارس 2017 12:00 ص
صالح المسعودى يكتب: ابن العمدة شباب

فى لقاء أكثر من رائع جمعنى مع ذاك الشيخ الكبير الذى تجاوز العقد الثامن من العمر، لكنه يجعلك تخجل من شبابك الذى شابه الهرم، وكأن سنوات عمره التى جعلت منه كهلاً زادت فى رجاحة عقله وأعطته من الخبرات الحياتية ما يجعلك تظن أنه حاصل على أعلى الدرجات العلمية من أعظم جامعات العالم، ثم تفاجأ أن كل مؤهلاته الدراسية هو كتاب الشيخ (عبد القادر) الذى علمه أبجديات اللغة وحفظه بعض سور القرآن الكريم.
 
نعم هو (جاهل) بالعلوم الحديثة ويتأفف ويتغير وجهه عندما تذكر له بعض وسائل التواصل الاجتماعى بل من الممكن أن يثور فى وجهك عندما تحكى له حكاياتنا الغريبة على مسامعه وما يحدث من شباب هذا الجيل الذى بدأ يتناسى القيم والأخلاقيات التى تربينا عليها، ثم بدأت أتجاذب معه أطراف الحديث عن زمنه الجميل وتطرق الحديث إلى تراثنا الرائع الذى أبهر العالم وما تمتلكه مصر من تراث عالمى جعلها قبلة السياحة التاريخية للعالم كله.
 
ففوجئت به يقول لى (أنا نفسى أحكيلك حكاية ابن العمدة) وعلى طريقة (كليلة ودمنة) وجدت نفسى أقول له (وكيف كان ذلك؟)، فيقول (كان زمان عندنا عمدة فى ريف مصر الجميل، وكان العمدة رجل ميسور ومستور فعمل دوار كبير، وكان البناء بالطوب اللبن وعمل منزل بجوار دوار العمدة بالطوب اللبن أيضاً فى الوقت الذى كان أهل القرية جميعا يعيشون فى أكواخ من البوص والغاب.
 
وأنجب العمدة (ولدا)، كان هذا الولد فخوراً بوالده معتزاً بتراثه، ومع مرور الأيام والسنوات بدأت تحدث نهضة لأهل القرية، حيث تعلم أبناؤها وبدأ كل واحد منهم يشق طريقه فى الحياة حالماً بحياة جديدة أفضل فى حين توقف (ابن العمدة) فى مكانه متفاخراً بتراث والده المشرف، ثم أن معظم شباب القرية اتجه للسفر للخارج فى وقت الانفتاح ومعظمهم قام بشراء قطع أراضى وأقاموا عليها منازل راقية على أسس سليمة ومتطورة فى الوقت الذى مازال (ابن العمدة) يتفاخر بأن والده أول شخص فى تلك القرية يقوم ببناء حائط ودوار ومنزل.
 
تجمع بعض الأشخاص من الذين كانت تربطهم علاقة طيبة مع العمدة وقرروا ضرورة إزالة هذه الحوائط القديمة المتهالكة حتى يجبروا (ابن العمدة) على بناء منزل يليق به وبتراث أسرته المحترمة على أسس علمية وبشكل حضارى قبل أن يتهاوى سقف منزل العمدة القديم على رؤوس قاطنيه (ونجحوا فى ذلك).
 
ثم التفت لى الشيخ وقال (هل تعتقد يا ولدى أنه يجب علينا أن نزيل تاريخ الأجداد حتى نتوقف عن قول أننا أول من بنينا، وأول من صنعنا، وأول من زرعنا؟، أم أنه يجب علينا أن نفيق من مرقدنا الذى تجاوز ما مكثه أصحاب الكهف فى كهفهم عدة مرات؟، أما آن الأوان أن نوجه شبابنا وهم أمل الأمة إلى استكمال ما صنعه الأجداد دون الجلوس والتشدق بالأطلال والبكاء على اللبن المسكوب؟.
 
لا تحادثنى يا ولدى عن (البوك) (يقصد الفيس بوك) وغيره من ملهيات العصر، فقد اخترعه هؤلاء ليكون وسيلة تواصل بين أناس ليس بينهم رابط ليكوٍنوا عائلات وهمية، ولكننا يا ولدى فى مجتمع مترابط كل شخص فيه يعلم تماماً تسلسل عائلته، ويعدد لك أجداده حتى الجد السادس والسابع ويعلم قيمة العم والخال ويدرك قيمة صلة الرحم ويعلم تماماً العيب والحلال والحرام.
 
 فيجب يا ولدى أن ندرك أننا فى خطر حقيقى إذا ما استمرينا فى اجترار عبق الماضى الجميل دون استكمل البناء، ويجب علينا أن نتخذ من العلوم الحديثة سلماً لنضيف لتراثنا كل ما فيه صلاح البلاد والعباد آخذين فى عين الاعتبار قيمنا التى تميزنا عن غيرنا من دول العالم ولا يكون كل تفكيرنا وهمنا هو مشابهة الغير حتى لو دخلوا ( جحر ضب ) !!!، لأن هذا الوضع الذى نحن فيه سيخرجنا من المنافسة ويجعلنا نتقوقع ونتعايش على فتات العلوم التى يلقيها لنا العالم لأننا تركنا مضمار السباق تماما مثل ما صنع (ابن العمدة) عندما جلس على الأطلال.




تعليقات (1)
1

ابن العمده

بواسطة: حازم المسعودى

بتاريخ:

مقال رائع

اضف تعليق

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة